إسبانيا.. إلياس بنعمر يرسخ جسور “القوة الناعمة” بين ضفتي المتوسط

حجم الخط:

هبة بريس – محمد زريوح

بخطوات هادئة تخفي خلفها يقيناً راسخاً، أطل الباحث إلياس بنعمر من خلف منصة جامعة الملك خوان كارلوس بمدريد، في مشهد يفيض بالرمزية والشموخ. وقف ابن الريف المغربي، “طيرٌ مغرّد” في ديار المهجر، وعنقه يشرئبّ نحو لجنة التحكيم في قاعة المناقشات رقم 151؛ كان مزيجاً من الخجل والرهبة ووثوق العارف الذي قضى ليلة السابع والعشرين من أبريل 2026 يحلم بتلك اللحظة التاريخية، مدافعاً عن أطروحته التي لم تكن مجرد ورقٍ أكاديمي، بل كانت حلم عمرٍ بدأ من جبال الريف ليزهر في قلب العاصمة الإسبانية.

لم يكن إلياس وحيداً في مواجهة بروتوكولات الأكاديميا الصارمة، فقد تبددت رهبة الموقف بحضور “السند” الذي قطع المسافات. فمن مدينة الناظور، طار شقيقه الأستاذ سريح بنعمر، نائب وكيل الملك بالدريوش، ليكون ظله الملازم، مجسداً وصية والدهما الراحل في التلاحم بالسراء والضراء. كما اكتمل مشهد الوفاء بصديق العمر المحامي الدكتور محمد بلفقيه ونجله أمير، والدكتور نور الدين اشحشاح، وثلة من الرفاق الذين شهدوا كيف يتحول الوفاء الإنساني إلى طاقة تدعم البحث العلمي وتمنحه قدسيته الخاصة.

بين أعلام المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ناقش الباحث أطروحته الموسومة بـ “التعاون الإسباني-المغربي في المجال الثقافي: التطور وآفاق المستقبل”، تحت إشراف الدكتورة إيلينا كارولينا دياز جالان. ولم تكن هذه الدراسة بمعزل عن وجدان صاحبها، بل كانت تجربة حياة صاغها باحثٌ يكتب بلغة “سرفانتس” ببراعة، ويهدي ثمرة جهده لروح والده الذي فقده قبل أسابيع قليلة؛ ليترك للأجيال أثراً طيباً يخلد اسم الأب في رحاب الجامعة وبين رفوف المكتبات كمرجع فكري رصين.

رحلة البحث غاصت في أعماق التاريخ، ممتدة من نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، حيث رصد بنعمر تحول العلاقة بين الرباط ومدريد من نموذج “الهيمنة الثقافية” إبان الحماية إلى “شراكة استراتيجية” تقوم على المصالح المشتركة. وجادل الباحث بذكاء أن الثقافة ليست ترفاً هامشياً، بل هي ركيزة سيادية وجسر آمن يعبر فوق الأزمات الدبلوماسية، مؤكداً أن المجتمع المدني والدبلوماسية الموازية هما الضمانة الحقيقية لاستدامة هذا التقارب الحضاري.

بمنهجية صارمة جمعت بين التحليل القانوني والتاريخي، فكك بنعمر أدوار المؤسسات الكبرى كمعهد سرفانتس ومؤسسة الثقافات الثلاث، مُحللاً كيف تصبح اللغة الإسبانية أداة إشعاع مشترك. ولم يغفل البحث برؤيته النقدية رصد العقبات الهيكلية والحواجز اللغوية، محذراً من توظيف الثقافة كأداة للمناورة السياسية، داعياً إلى إعادة النظر في مفهوم الدبلوماسية الثقافية كقوة ناعمة قادرة على بناء جسور لا تهدمها رياح الخلافات العابرة.

أمام هذا العرض المتزن، لم تملك لجنة التحكيم إلا الإشادة بالصلابة العلمية والجرأة الأكاديمية التي أظهرها الباحث، خاصة في قدرته على الكتابة بلغة غير لغته الأم وبمستوى يرتقي لأعلى المعايير الدولية.
وتوجت اللجنة هذا المسار بمنحه درجة الدكتوراه بميزة “حسن جداً”، مع توصية بالإجماع بنشر الأطروحة، مؤكدة أن العمل يمثل إضافة نوعية في حقل العلاقات الدولية، ويستحق أن يكون خارطة طريق لتعميق الشراكة الأورو-متوسطية.

في الختام، يبرز الدكتور إلياس بنعمر كنموذج للمثقف المغربي الذي يحمل هويته في قلبه وعلمه في يده ليخاطب العالم بلسان العصر. إن حصوله على الدكتوراه من جامعة الملك خوان كارلوس ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو رسالة تؤكد أن المسافات تذوب أمام الإرادة، وأن الجسور التي تُبنى بالمعرفة هي الأمتن بقاءً. لقد نجح “ابن الريف” في أن يكون سفيراً ثقافياً بامتياز، مُثبتاً أن العلم هو الجناح الذي يحلّق به المبدعون بعيداً، ليظلوا دائماً فخراً لأوطانهم أينما حلوا وارتحلوا.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً