هبة بريس-عبد اللطيف بركة
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو المشهد السياسي في المغرب هادئا في ظاهره، لكنه يخفي تحولات عميقة تعكس حالة من الترقب المشوب بالحذر داخل المجتمع، فالمنافسة الانتخابية لم تعد تختزل في صراع تقليدي بين أحزاب وبرامج، بل أصبحت مرتبطة أساسا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على استيعاب مزاج اجتماعي متغير، يتسم بارتفاع سقف الانتظارات وتراجع منسوب الثقة.
المؤشرات المتاحة، سواء من خلال تقارير مؤسسات بحثية أو قراءات ميدانية، توحي بوجود فجوة متنامية بين المواطن والمؤسسات، حيث بات تقييم الأداء الحكومي يتم من زاوية معيشية مباشرة، تتعلق بالأسعار وفرص الشغل وجودة الخدمات، هذا التحول جعل من القضايا الاجتماعية المحدد الأول في توجيه السلوك الانتخابي، في مقابل تراجع تأثير الخطابات الإيديولوجية أو الاصطفافات الحزبية التقليدية.
في هذا السياق، يفرض العامل الاقتصادي نفسه كعنصر حاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة، فاستمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة، خصوصا في صفوف الشباب، إلى جانب تزايد الضغط على القدرة الشرائية، يضعان الأحزاب المشكلة للأغلبية أمام اختبار صعب.
ورغم إطلاق أوراش كبرى في مجال الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية، إلا أن أثر هذه الإصلاحات لم يصل بعد إلى جميع الفئات بالشكل الكافي، ما يجعل الحصيلة الحكومية عرضة لنقاش انتخابي حاد.
الأغلبية الحكومية، التي تستفيد التي كانت تستفيد من قوة تنظيمية واضحة وانتشار ميداني فعال، ستجد نفسها في وضع مزدوج أمام المواطنين، فهي تملك أدوات تدبير المعركة الانتخابية، لكنها تتحمل في الآن ذاته كلفة تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
هذا التوازن الدقيق قد يدفع جزءا من الناخبين إلى تبني خيار “التصحيح الداخلي”، عبر إعادة ترتيب مواقع القوة داخل نفس الأغلبية، بدل الذهاب نحو تغيير جذري في الخريطة السياسية.
في المقابل، تحاول المعارضة استثمار هذا السياق عبر خطاب نقدي يركز على الاختلالات، غير أنها لم تنجح بعد في تحويل هذا الخطاب إلى دينامية انتخابية قوية قادرة على إقناع الناخب بوجود بديل جاهز، ويعزى ذلك إلى تشتت مكوناتها، واستمرار تأثير تجارب سابقة في الحكم على صورتها لدى جزء من الرأي العام، ما يحد من قدرتها على تحقيق اختراق واسع.
نتائج بعض الانتخابات الجزئية الأخيرة أظهرت استمرار تفوق أحزاب الأغلبية، وهو ما يعكس قوة بنيتها التنظيمية، لكنه لا يشكل مؤشرا حاسما على مآلات استحقاقات 2026، نظرا لخصوصية هذه الانتخابات وضعف نسبة المشاركة فيها.
فالمزاج العام يظل قابلا للتغير السريع، خاصة في ظل ارتباطه الوثيق بالوضع الاجتماعي والاقتصادي.
بناء على ذلك، تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال، يتراوح بين استمرار التوازنات الحالية مع تعديلات جزئية، أو حدوث تحولات نسبية في حال تمكنت المعارضة من تعبئة أوسع، أو في حال طرأت متغيرات اقتصادية واجتماعية مؤثرة، وفي جميع الحالات، يبقى العامل الحاسم هو نسبة المشاركة، التي ستحدد إلى حد كبير طبيعة الخريطة السياسية المقبلة.
انتخابات 2026 لن تكون كم سبق، لأنها جاءت في سياق مختلف، حيث لم يعد الحسم بيد الشعارات أو التحالفات فقط، بل بمدى قدرة الأحزاب على استعادة الثقة وتقديم إجابات ملموسة على انتظارات المواطن. وبين غضب اجتماعي صامت لم يتحول بعد إلى قوة انتخابية واضحة، وتوازنات سياسية لم تحسم بعد، يظل الرهان الأكبر هو من سينجح في إقناع الناخب بأنه الخيار الأقرب إلى واقعه والأقدر على تدبير تحديات المرحلة.

0 تعليقات الزوار