مشاكل الممرّات البحرية تضع المغرب في قلب التّحول اللّوجستي العالمي

حجم الخط:

هبة بريس – الرباط

يشهد قطاع النقل البحري العالمي تحولات عميقة في مساراته التقليدية، بفعل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، ما دفع كبريات شركات الشحن إلى إعادة توجيه خطوطها نحو مسارات بديلة تمر عبر القارة الإفريقية، وهو ما يمنح الموانئ المغربية موقعاً استراتيجياً متقدماً ضمن الخريطة الجديدة.

اضطراب الممرات الحيوية يعيد تشكيل التجارة العالمية

وكشف تقرير نشره موقع “أتالايار” الإسباني أن التصعيد الأمني في مضيق هرمز وقناة السويس، إلى جانب التهديدات المستمرة في باب المندب، أدى إلى تعقيد غير مسبوق في حركة الملاحة الدولية، باعتبار هذه النقاط من أهم الشرايين التي تمر عبرها التجارة العالمية.

وأضاف أن هذه التطورات، بما في ذلك إغلاق إيران لمضيق هرمز والهجمات التي تستهدف السفن في البحر الأحمر، دفعت شركات النقل البحري إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً، ما أطلق سلسلة من التغييرات التي أعادت رسم خريطة النقل البحري الدولي.

العودة إلى خيار “الدوران حول إفريقيا”

وأفاد التقرير بأن الخيار الأكثر واقعية أمام شركات الشحن تمثل في الالتفاف الكامل حول القارة الإفريقية، عبر المرور من رأس الرجاء الصالح، ثم الصعود على طول الساحل الغربي لإفريقيا في اتجاه أوروبا.

وأوضح أن هذا المسار، رغم كونه أكثر أماناً، يظل مكلفاً زمنياً ومالياً، إذ يضيف ما بين 10 و14 يوماً إلى مدة الرحلات البحرية، كما يرفع تكاليف الشحن، مع رسوم إضافية تتراوح بين 1500 و3300 دولار للحاوية الواحدة.

وذهب التقرير إلى أن شركات كبرى مثل “Maersk” و”Hapag-Lloyd” و”CMA CGM” بدأت بالفعل في اعتماد هذا المسار الجديد بشكل متزايد.

تداعيات تمتد إلى الشركات الصناعية الكبرى

وأضاف التقرير أن تأثير هذه التحولات لم يقتصر على شركات الشحن، بل طال أيضاً شركات صناعية عالمية، من بينها “Nornickel”، التي اضطرت إلى تغيير مسارات سفنها المحملة بالمعادن القادمة من القطب الشمالي نحو أوروبا.

وأفاد بأن هذه السفن، التي كانت تمر سابقاً عبر قناة السويس للوصول إلى موانئ مثل روتردام، أصبحت تعتمد بدورها على المسار الإفريقي الجديد، ما يعكس اتساع نطاق التأثير ليشمل مختلف القطاعات الاقتصادية.

كما أشار التقرير الإسباني إلى أن الشركة الروسية كانت قد أعلنت سابقاً نيتها دراسة الاستثمار في البنيات التحتية المينائية بالمغرب، بهدف تقليص اعتمادها على الموانئ الأوروبية.

الموانئ المغربية في صدارة المستفيدين

وأوضح التقرير أن التحول في مسارات الملاحة يصب بشكل مباشر في مصلحة الموانئ المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، إضافة إلى مشروع ميناء الداخلة الأطلسي.

وأضاف أن ميناء طنجة المتوسط يستعد لاستقبال زيادة مرتقبة في عدد السفن، من خلال التركيز على إدارة الطاقة الاستيعابية وتفادي الاكتظاظ، في ظل توقعات بارتفاع عدد التوقفات المرتبطة بالمسار الإفريقي.

وأفاد بأن أولى مؤشرات هذا التحول ستبدأ في الظهور مع نهاية شهر أبريل، ما يعزز مكانة الميناء الذي أصبح في ظرف سنوات قليلة من أبرز الموانئ على مستوى البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.

وأشار التقرير إلى أن ميناء طنجة المتوسط عالج سنة 2025 أكثر من 11.1 مليون حاوية، بزيادة بلغت 8.4 في المائة، إضافة إلى أكثر من 161 مليون طن من البضائع، مسجلاً نمواً سنوياً ملحوظاً.

تراجع نسبي في الموانئ الأوروبية

وفي المقابل، أوضح التقرير أن هذا التحول في المسارات البحرية بدأ ينعكس سلباً على بعض الموانئ الأوروبية، وفي مقدمتها روتردام، التي سجلت انخفاضاً في حجم الشحن بنسبة 1.7 في المائة خلال سنة 2025.

وأضاف أن هذه المؤشرات تعكس بداية إعادة توزيع النشاط التجاري البحري على المستوى العالمي، في انتظار اتضاح الصورة بشكل أكبر مع صدور بيانات سنة 2026.

ميناء الداخلة: فاعل صاعد في الخريطة اللوجستية

وذهب التقرير إلى أن السنوات المقبلة ستعرف دخول فاعل جديد إلى هذه المنظومة، يتمثل في ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يُنتظر أن يعزز جاذبية المغرب كمحور لوجستي.

وأوضح أن المشروع بلغ حوالي 50 في المائة من مراحل إنجازه، على أن يكون جاهزاً للعمل بحلول سنة 2029، ما سيمكنه من لعب دور محوري في ربط أوروبا بإفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية.

مشاريع كبرى تعود إلى الواجهة

كما أشار التقرير إلى أن هذه التطورات أعادت إحياء النقاش حول مشاريع بنيوية كبرى، من بينها “قناة إسطنبول”، التي يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إنجازها بهدف تخفيف الضغط عن مضيق البوسفور.

وأضاف أن المشروع، الذي تقدر كلفته بأكثر من 23 مليار يورو، سيمكن تركيا من فرض رسوم على السفن، خلافاً لما ينص عليه اتفاق اتفاقية مونترو 1936 التي تضمن حرية المرور عبر المضائق الطبيعية.

مشروع النفق تحت مضيق جبل طارق

وفي السياق ذاته، أوضح التقرير أن مشروع النفق السككي تحت مضيق جبل طارق عاد إلى الواجهة، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لربط أوروبا بإفريقيا.

وأضاف أن هذا المشروع، في حال تنفيذه، سيمكن من نقل البضائع مباشرة عبر السكك الحديدية نحو أوروبا، دون المرور عبر الموانئ الإسبانية مثل ميناء الجزيرة الخضراء، ما قد يؤثر على نشاطها.

وأشار إلى أن السلطات الإسبانية خصصت ميزانية لدراسات الجدوى الجيولوجية والزلازلية، دون تحديد موعد نهائي لإنجاز المشروع، مع استبعاد دخوله الخدمة قبل 2035 أو 2040.

خريطة جديدة للتجارة البحرية

وخلص تقرير “أتالايار” إلى أن التحولات الجارية في طرق الملاحة العالمية، بفعل التوترات في الشرق الأوسط، لا تعيد فقط توجيه مسارات الشحن، بل تفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى اللوجستية، حيث يبرز المغرب كأحد أبرز المستفيدين من هذه الدينامية الجديدة.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً