المنظومة الصحية في المغرب… حين يمرض القطاع قبل المريض

حجم الخط:

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

لا يُقاس تطور الأوطان فقط بعدد الطرق أو ناطحات السحاب، بل بعدد الأرواح التي تنجو كل يوم في مستشفياتها. وإذا كانت الصحة حقاً دستورياً كما ينصّ عليه الفصل 31 من الدستور المغربي، فإن الممارسة اليومية في العديد من المرافق الصحية تقول عكس ذلك.

في المغرب، تحوّل الحديث عن القطاع الصحي إلى لازمة موسمية، تتجدد مع كل أزمة أو احتجاج، لتختفي بعدها في أرشيف الخطابات والمخططات. أما الواقع، فهو أكثر تعقيداً من أن يُختزل في أرقام الإنفاق أو نسب التغطية. هو واقع يعيشه المواطن لحظة بلحظة، في قسم المستعجلات، في قاعة الانتظار، أو على طريق مستوصف مغلق.

– أعراض متعددة لأزمة واحدة

يعاني النظام الصحي المغربي من مجموعة أعطاب متراكمة، تتداخل فيها الأسباب الهيكلية مع التدبيرية أولها تسجيل خصاص مهول في الأطر الصحية، خاصة في المناطق القروية والبعيد؛ ثانيها ضعف التجهيزات والمعدات الطبية، حتى في مستشفيات جهوية يفترض أن تلعب دوراً محوريا الى التفاوت المجالي صارخ في الولوج إلى الخدمات الصحية مع تسجيل وجود بيروقراطية إدارية تُثقل كاهل المواطن والطبيب معا، مع تضخم الإنفاق في قطاعات غير حيوية، مقابل تجميد واقعي لموازنة الصحة.

فالأرقام الرسمية تقول إن المغرب لا يتجاوز 0.7 طبيب لكل ألف مواطن، في حين أن منظمة الصحة العالمية تحدد الحد الأدنى بـ1.7. كما أن نسبة الإنفاق الصحي لا تزال دون 6% من الناتج الداخلي الخام، وهي أقل بكثير من المعدلات المعتمدة في دول ذات مستوى تنموي مشابه.

– الطبيب في قلب الإعصار

الحديث عن أزمة الصحة لا يكتمل دون الوقوف عند أوضاع الأطباء والممرضين. هؤلاء، الذين تُناط بهم مهمة الإنقاذ اليومي، يشتغلون في ظروف متردية، لا تتوفر فيها شروط الكرامة المهنية، ولا حتى الحد الأدنى من التحفيز، تمثيليات نقابية للأطباء بالقطاع العام في مستشفى الجهوي لأكادير يكشفون انه “أحيانا مضطرين إلى تحويل المريض فقط لأن الجهاز غير موجود، أو لأن الممرضة الوحيدة أخذت عطلة. هذه ليست ممارسة طبية، بل نوع من التسيير بالأزمة.”

هناك كذلك اشكالية التكوين الطبي في المغرب الذي لا يزال يُفرز خريجين متمكنين علمياً، لكن البيئة المهنية الطاردة، وانعدام الأفق، يدفعان الكثير منهم للهجرة أو الانسحاب الصامت من القطاع العام.

– العلاج بالتمييز: من الرباط إلى الريف

في العاصمة الإدارية الرباط، تتوفر المستشفيات الجامعية والمصحات الكبرى، ويتعدد الاختيار أمام المواطن، حتى وإن كان مكلفا، لكن في أعالي الأطلس أو عمق الجنوب الشرقي، لا يجد المواطن سوى طريق طويلة، ومستوصف شبه مهجور، هذا التفاوت المجالي لا يضرب فقط مبدأ “العدالة الصحية”، بل يعمّق الفوارق الاجتماعية، ويفتح الباب أمام التهريب الطبي، والاعتماد على أساليب بديلة، بعضها غير آمن.

– هل من وصفة للإصلاح؟

أطلقت الدولة مشاريع إصلاح طموحة، أبرزها تعميم التغطية الصحية الشاملة وورش إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية مع رقمنة الخدمات،رفع تدريجي لميزانية القطاع، لكن التجارب السابقة تُظهر أن الإرادة وحدها لا تكفي.

فالإصلاح الحقيقي يتطلب إعادة هيكلة المنظومة برؤية شمولية، لا ترقيعات مع تحفيز العنصر البشري، لأنه عماد المنظومة وليس مجرد رقم في الميزانية، مع اعتماد توزيع عادل للموارد بناءً على الخصاص الحقيقي، لا منطق التوازنات السياسية، ومحاولة إرساء حكامة صارمة، تربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمنع الإفلات من التقصير الإداري، إلى جانب دمقرطة المعلومة الصحية، وتسهيل ولوج المواطن للخدمة دون عراقيل.

متى يعالج القطاع من علته؟

إن الحديث عن قطاع الصحة ليس ترفاً إصلاحياً، بل مسألة بقاء وكرامة. فلا يمكن الحديث عن تنمية أو استقرار أو حتى عدالة اجتماعية في بلد لا يضمن لمواطنيه العلاج الكريم.

لقد حان الوقت للقطع مع المنطق الترقيعي، وللنظر إلى الصحة ليس كملف قطاعي، بل كمرآة تعكس مدى احترام الدولة لمواطنيها.

في المغرب اليوم، لا نحتاج فقط إلى مستشفيات جديدة، بل إلى ثقة جديدة بين المواطن المنظومة، ثقة لن تتحقق إلا حين يشعر المريض أنه يُعالج لأنه يستحق، لا لأنه محظوظ.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً