هبة بريس- عبد اللطيف بركة
في خضم سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها مدن وأقاليم المملكة مؤخرًا، احتجاجًا على تدهور الخدمات الصحية والتعليمية، برز إلى الواجهة مصطلح جديد-قديم يُعاد تداوله بقوة: “جيل زد”. شباب وشابات يتصدرون الصفوف الأمامية للاحتجاجات، لا بهتافهم فقط، بل بأساليب تنظيمهم، وسرعة تنسيقهم عبر المنصات الرقمية، ومطالبهم التي تتجاوز الشعارات التقليدية إلى رؤى متكاملة للتغيير.
فمن يكون هذا الجيل؟ وما الذي يميّزه عن الأجيال السابقة؟ ولماذا أصبح حضوره مهيمنًا في المشهد الاجتماعي والرقمي والسياسي في السنوات الأخيرة؟
– من هم “جيل زد”؟
يطلق مصطلح “جيل زد” على من وُلدوا تقريبًا بين عامي 1997 و2012، أي من نشأوا في عالم لم يعرف سوى الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسرعة الاتصال. هو أول جيل يُعتبر “رقميًا أصيلاً” بمعنى أنه لم يعايش ما قبل الثورة التكنولوجية، بل وُلد وسطها، وتشرّب أدواتها منذ الطفولة.
– سمات مميّزة: وعي رقمي، وتنوع اجتماعي، وميل للمساءلة
على عكس الأجيال التي سبقته، لا يُعرّف “جيل زد” نفسه فقط من خلال الفئة العمرية، بل من خلال رؤيته للعالم. فهو جيل متنوع عرقيًا وثقافيًا، أكثر انفتاحًا على قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية، وأكثر استعدادًا لمساءلة النظم السائدة، سواء كانت سياسية، تعليمية، أو اقتصادية.
تطغى على هذا الجيل قيم الشفافية، والعدالة البيئية، والمساواة، وهو يميل إلى التعاطف مع الفئات المهمّشة، ويدافع عن حقوق المرأة والمثليين والمهاجرين، ويرى في العمل المدني والعمل الرقمي أدوات متكاملة لإحداث التغيير.
– التكنولوجيا: ليست وسيلة بل بيئة حياة
إن تميّز “جيل زد” لا يقتصر على استخدامه للتكنولوجيا، بل في اندماجه الكامل معها. فهم لا يتعلمون التكنولوجيا كما تعلّمها من سبقهم، بل هي امتداد طبيعي لحياتهم. تطبيقات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” ليست مجرد وسائل ترفيه، بل أدوات للتعبير عن الرأي، والتنظيم، وكسب الدخل، وحتى النضال السياسي.
وقد تجاوزوا في ذلك النماذج التقليدية للعمل والتعليم، فالكثير منهم يدرّب نفسه ذاتيًا عبر الإنترنت، ويميل إلى العمل الحر والمشاريع المستقلة التي تتماشى مع ميوله ومبادئه.
– العمل والهوية المهنية: نحو مرونة واستقلالية
يبحث “جيل زد” عن بيئة عمل تُقدّر المرونة والتوازن بين الحياة والمهنة. يرفضون التسلسل الهرمي الجامد، ويفضلون الحوار والتغذية الراجعة المستمرة. بالنسبة لهم، العمل ليس مجرد وسيلة للدخل، بل مساحة لتطوير الذات وتحقيق الشغف، شرط أن تتوافر فيها العدالة والشفافية والاحترام.
– قضايا الصحة النفسية: من التهميش إلى الأولوية
كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى التغير المناخي، هشاشة الوضع النفسي للكثير من شباب هذا الجيل. إلا أنهم يرفضون إخفاء معاناتهم، ويتعاملون مع الصحة النفسية كأولوية جماعية تتطلب بيئات داعمة، سواء في المدارس، أماكن العمل، أو على مستوى السياسات العامة.
– الاقتصاد: جيل الاستثمار والتخطيط الذكي
رغم ما يُشاع عن تهور الشباب، يُظهر “جيل زد” وعيًا متزايدًا بالإدارة المالية. فهم أكثر ميلًا للادخار، والانخراط في الاستثمارات الرقمية، ومتابعة شؤونهم المالية عبر التطبيقات الذكية. وقد فرضوا تحولًا في سلوك المستهلك، بحيث لم تعد الإعلانات التقليدية تجدي نفعًا، بل باتت المصداقية والمبادئ والقيم تحدد قراراتهم الشرائية.
– البيئة: وعي جماعي ومسؤولية مؤسساتية
ينخرط هذا الجيل في الدفاع عن قضايا البيئة، لكن رؤيته لا تتوقف عند الممارسات الفردية، بل تتجه نحو تحميل الحكومات والشركات الكبرى المسؤولية الأكبر. هم يؤمنون أن التغيير الحقيقي يبدأ من السياسات وليس من سلوك المستهلك وحده.
– من الاحتجاج إلى التأثير
إن خروج “جيل زد” إلى الشارع في مدن المملكة اليوم ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لهويته كجيل واعٍ، منظم، رقمي، ومُطالِب بالتغيير. فلا عجب أن تكون شعاراتهم مختلفة، ورسائلهم واضحة، وأدواتهم جديدة. إنهم ليسوا فقط جيل “الهواتف الذكية”، بل جيل المطالب الذكية، والاحتجاجات الذكية.

0 تعليقات الزوار